حقيقة حروب الردة

و الرد على شبهات المستشرقين في ارتداد العرب بعد وفاة الرسول الأعظم

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الموضوع المهم قد وقع فيه كثير من الكتاب والمؤلفين واتهموا أقواماً – يدخل من ضمنهم الصحابة بلا شك - بالردة معتمدين على لفظ التعميم : ( وقد ارتدت العرب جميعاً ، ولم يبقى سوى مكة والمدينة وبعض المناطق بينهما ) ، أو قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما عند ابن أبي شيبة في المصنف (14/572) : ( لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب قاطبة واشرأب النفاق ) .

ثم تأتي هذه الشبهة من المستشرقين : ( أنه طالما قد ارتد كل العرب ما عدا مكة و الطائف و المدينة فلا بد أن جيوش الفتوحات كان فيها الكثير من المرتدين ) ، و إذا قلنا لهم : أنهم أسلموا ، قالوا : ( إما إن إسلامهم سطحي لأنهم جديدون به ، بل مكرهون عليه ) ، و إما يقولون : ( أنهم لم ينضموا للإسلام بالأصل فالحرب كانت لإجبارهم على الزكاة و بالتالي فلا دليل على أنهم قد دخلوا للإسلام ) !

و للرد على هذه الشبهة نقوم أولاً بإبطال زعمهم بأن جميع العرب قد ارتدوا ، فإن بطلت هذه الشبهة بطلت شبهتهم الأخرى التي تعتبر نتاجاً لها ، فإن بطلت الشبهة الأولى و نتيجتها ، لا يكون بعدها مجال للقول بأن المرتدين شاركوا في حركة الفتوحات الإسلامية .

و قد كنت قد كتبت منذ فترة طويلة ، بحث مصغر حول موضوع ردة القبائل العربية ، تناولت فيه و بنظرة شمولية و سريعة ، جانباً هاماً من جوانب فتنة الردة التي حدثت في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، إثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، و هذا الجانب هو :-

1 - من هم الذين ثبتوا على الإسلام في هذه الفتنة ؟

2 - و هل ارتد كل العرب كما يقول بعض الكتّاب ؟

3 - أم ارتد معظمهم كما يقول البعض الآخر ؟

و تبرز هذه النظرة ، حقائق تاريخية هامة مستخلصة من بعض المصادر و المراجع المعتمدة في تاريخ هذه الفترة ، حيث تدل على أن القبائل و الزعماء و الأفراد المسلمين خارج المدينة و مكة و الطائف ، لم يرتدوا جميعاً أو معظمهم كما حاول أن يفهمنا بعض الكتّاب .

و إن هذه النظرة سوف تصحح مفاهيم بعض الذين تناولوا هذه الفتنة بشيء من التعميم ، أو عدم الدقة و الموضوعية أو النظرة الجزئية ، بل إن مثل هذا التناول من جانب بعض الكتّاب المسلمين ، يدخلهم في محظور شرعي و هو اتهام بعض الصحابة بالردة ، و وصف خير القرون بأنه قرن فتنة شملت معظم المسلمين ، و من بينهم الصحابة رضي الله عنهم ، و في هذا مخالفة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) . أخرجه : البخاري (3650) و مسلم رقم (6424) .

ثم إن مثل هذا المنهج في تناول تاريخ هذه الفترة يعطي لأعداء ديننا من مستشرقين وملاحدة ومن سار على نهجهم ، الحجج التي يطعنون بها في الإسلام ، و بأنه كان ضعيفاً ، وأن دخول الناس فيه كان شكلياً وكان رهبة لا رغبة ولا عن اعتقاد .

فالباحث لا ينكر وجود المنافقين في المجتمع الإسلامي ، داخل المدينة و خارجها كما هو مبسوط في القرآن الكريم ، و خاصة سورة المنافقين و التوبة حتى إنه عرفت الأخيرة بالفاضحة أو الكاشفة ، هم الذين نزل فيهم قول الله تعالى{ و ممن حولكم من الأعراب منافقون و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم …} التوبة/101.

حيث إن هؤلاء المنافقين كانوا يستغلون أي ظرف يرونه مواتياً لإثارة الفتن ، فقد خرج الأسود العنسي ، على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد حجة الوداع في العام العاشر الهجري ، كما جاء في الصحيح . انظر : البخاري مع الفتح (7/693 ) ، ولم يعرف أنه كان مسلماً حتى يقال إنه ارتد عن الإسلام ، و كذلك مسيلمة الكذاب ، الذي قال : إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته . البخاري مع الفتح (7/690 ) ، و كذلك سجاح التميمية ، كانت نصرانية و لم تدخل الإسلام أصلاً . انظر : البداية و النهاية (6/320 ) .

أما أحداث هذه الفتنة التي وقعت فإنها لم تحظ من قبل الباحثين أو المؤرخين المحدثين بدراسة منفردة ، تلقي الضوء ساطعاً على موقف الجماعة الإسلامية التي ثبتت في هذه الفتنة ، و دور قادتها و أفرادها في قمعها ، و التمسك بدينهم حتى كانوا كالقابضين على الجمر .

و كان من حقائق هذه الفتنة أنها لم تكن شاملة لكل الناس ، بل إن هناك قبائل و قادات و جماعات وأفراد تمسكوا بدينهم في كل منطقة من المناطق التي ظهرت فيها الردة ، و إذا أريد لهذه الحقيقة أن تكون جلية فلابد من الاعتماد على المصادر الأساسية التي اهتمت بهذه الفتنة ، أما المراجع الحديثة فقد تناولت هذه الحركة ، لكن تناولها كان فيه بعض القصور و شيء من عدم الدقة ، و الأمثلة على ذلك كثيرة أكتفي بإيراد بعض الآراء ، و التي سأتناول الرد عليها أثناء سرد أحداث الردة في بعض المناطق ، و أنا حين أذكر هذه الأمثلة ليس هدفي تجريح أو انتقاص مؤلفيها ، و لكنني أشعر بالواجب علي أن أذكر و أورد آراء هؤلاء الأساتذة ، من باب قوله تعالى{ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم اللاعنون ، إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا فأولئك أتوب عليهم و أنا التواب الرحيم } البقرة/109-160.

و أعتقد أن ما أورده هؤلاء الأساتذة لا يعدوا أن يكون اجتهاداً يحتمل الخطأ و الصواب ، و إذا وقع الأول فلا أشك لحظة واحدة في حسن قصدهم ، و لكن أياً كانت الحقيقة فهدفي هو الوصول إليها عبر مناقشة علمية أمينة .

و سأحاول في السطور التالية إن شاء الله تسليط الأضواء ساطعة بقدر الإمكان لرؤية الحقيقة الكاملة والشاملة قدر المستطاع ، و في ذلك رد كاف على من كتب في هذا الموضوع دون أن يمحص أو يغوص في بطون المصادر ، وكذلك هو رد على المستشرقين حين يتهمون المسلمين الفاتحين بأنهم كانوا مجبرين على الجهاد وأن من جاهد معهم كان من المرتدين .

إن أول حقيقة يستخلصها القارئ هي أنني لم أجد ما يدل على أن القبائل و الزعماء و الأفراد المسلمين قد ارتدوا جميعاً ، كما ذكر أولئك النفر .

أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه : ( لما توفي رسول الله و كان أبو بكر رضي الله عنه ، كفر من كفر من العرب ، فقال عمر رضي الله عنه : كيف تقاتل الناس و قد قال رسول الله ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قالها فقد عصم مني ماله و نفسه إلا بحقه و حسابه على الله ) فقال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة و الزكاة ، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله، لقاتلتهم على منعها . قال عمر رضي الله عنه : فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق ) . البخاري مع الفتح (3/308) .

لم يقتصر انتشار الإسلام على أهل المدينة فحسب ، بل قام بعض المسلمين من خارج مكة بتبليغ الدعوة إلى قبائلهم ، كما فعل أبو ذر الغفاري والطفيل بن عمر الدوسي رضي الله عنهما ، ولما قامت دولة الإسلام بالمدينة اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بإرسال الدعاة إلى البوادي لدعوة القبائل رغم الأخطار التي كانت تحدق بالوفود ، كما حدث في الرجيع و بئر معونة ، و لما كان عام صلح الحديبية وجه الرسول صلى الله عليه وسلم الرسائل إلى ملوك وأمراء العالم في ذلك الوقت ، ثم كان فتح مكة عام ( 8هـ ) ، و تبعه دخول الطائف عام ( 9هـ ) ، و قد شكل هذا المحور مركز الثقل الإسلامي في حروب الردة .

ولعل ثبات أهل المدينة ومكة والطائف بأكملهما على الإسلام يعود إلى أن سكان هذه المدن الثلاثة نالوا حظاً من التربية الإسلامية والتوجيهات النبوية أكثر من سواهم ، وتعرفوا على تعاليم الإسلام عن كثب ، وتفقهوا في الدين .

وترجع عوامل الردة في المناطق الأخرى ، إلى عدم تغلغل الإيمان في القلوب لتأخر إسلامهم و بسبب قصر الزمن الذي تم فيه تبليغ الدعوة ، و طبيعة الأعراب المتسمة بالجفاء مع ضعف المستوى الثقافي ، مما جر إلى ضعف فقه تعاليم الدين وخاصة بالنسبة للزكاة التي اعتبرها البعض ضريبة مهينة ، واستثقلوا الصلاة والعبادات الأخرى ، كما أن العصبية القبلية لازالت عميقة في تلك البلاد النائية و وسط نجد ، حيث ترى القبائل أنها أضخم عدداً و عدة من قريش وبالتالي فهي أولى بالزعامة ، وعلى الأقل لم تكن ترضى بالخضوع لحكم قريش .

و قد اعتمدت الدولة الإسلامية على سند قوي من القبائل و الأفراد الذين ثبتوا على الإسلام ، في قمع الردة ، فقد اعتمدت على أهل المدينة ومكة والطائف وما حولها من قبائل ، و من ثبت في قبيلته في مراكز الردة – كما سيأتي – ، في تجهيز الجيوش للقضاء على المرتدين .

ممن ثبت في الحجاز :-

ثبت المكيون و الثقفيون و المدنيون ، و قد اتفق المؤرخون على ذلك ، حيث كانوا سنداً و عوناً بعد الله عز وجل للدولة الإسلامية في قمع المرتدين أمثال قبائل غطفان و ذبيان ، غير أن بعض القبائل المقيمة بين مكة و المدينة و الطائف ، قد ثبتت على إسلامها أمثال مُزينة و غِفار و جُهينة و بَليّ و بعض أشجع و أسلم ،و ثقيف ، و عبس و طوائف من بني سليم ، و طيء و هُذيل و أهل السرّاة و بجيلة و خثعم . انظر حروب الردة للكلاعي (ص41-42) و تاريخ الطبري (3/242) ، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث كعب بن مالك الأنصاري إلى أسلم و غفار و مزينة و جُهينة ، فعندما بلغهم خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أدّوا صدقاتهم إلى الخليفة أبي بكر رضي الله عنه ، وكذلك فعل بنو كلب ، إذ بعثوا بصدقاتهم مع بشير بن سفيان الكعبي . و بعثت أشجع صدقاتها مع مسعود بن رخيلة الأشجعي . فاستعان بذلك كله على قتال المرتدين .و بعث أبوبكر الصديق إليهم يأمرهم بجهاد أهل الردة ، فاستجابوا له ، و حتى قبيلتي أسد و غطفان لم تكن جميعها مع طليحة الأسدي ، في ردته ، بل كان منها جماعة ثبتوا على الإسلام . حروب الردة للكلاعي (ص67) و كتاب الفتوح لابن أعثم (1/12 ) .

و قد زعم د. عبدالمنعم ماجد : أن قبائل شمالي الحجاز مثل ، جذام و كلب و قضاعة و عذرة و بلي، ارتدت عن الإسلام مثل غيرها من قبائل الجزيرة ، هذا ما قاله في كتابه الذي يُعد من المراجع الهامة و الأساسية في بعض الجامعات العربية و الإسلامية ، حتى إنه طبع عدة مرات . انظر كتابه : التاريخ السياسي للدولة العربية (ص146، 158-159) ، و هو كتاب فيه طامات و أوابد و خزعبلات ، انظر : كتب حذر منها العلماء (2/117) .

و هناك علي إبراهيم حسن الذي يقول : إنه لم يبق مخلصاً للإسلام و مطيعاً لأبي بكر رضي الله عنه إلا سكان المدينة و مكة و الطائف ، و ذكر أن غطفان و من حولها انضمت إلى طليحة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . انظر كتابه : التاريخ الإسلامي العام - الجاهلية - الدولة العربية - الدولة العباسية (ص219-221) .

و الثالث هو د. السيد عبدالعزيز سالم الذي كتب : (فقد ارتدت العرب و اشرأبت اليهودية و النصرانية و نجم النفاق و صار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم حتى جمعهم الله على أبي بكر …) . و حينها لم يكن صورة موقف بعض المسلمين في المناطق البعيدة واضحة . و عند حديثه عن موقف أبي بكر من الردة يذكر أن عامة العرب و خاصّتهم قد ارتدت باستثناء قريش و ثقيف . و في معرض حديثه عن ردة طليحة ، يقول بأن أسد و غطفان و طيء و كنانة قد انضمت جميعها إليه . انظر كتابه : تاريخ الدولة العربية - تاريخ العرب منذ عصر الجاهلية حتى سقوط الدولة الأموية (ص433 ، 442) . وهذا الذي كتبه الدكتور ، أثر لعائشة رضي الله عنها ذكره ابن خياط في تاريخه بلفظ قريب من هذا (ص102) ، و ساقه ابن هشام بدون إسناد (4/235) ، و ابن أبي شيبة في المصنف (14/572) ، و لكن عائشة رضي الله عنها تعني بقولها هذا : بعض العرب القريبين من المدينة ، و الذين هاجموا المدينة عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .

و يذكر د. محمد أسعد طلس ، أن بني طيء و غطفان وأسد قد خرجوا عن الإسلام بالمرة و ارتدوا و تابعوا المتنبئ طليحة الأسدي . انظر كتابه : الخلفاء الراشدون : أبو بكر و عمر و عثمان و علي (ص20) .

و زاد الشيخ علي الطنطاوي ، على ما قالوا و أيده ؛ حيث يقول : و في ذلك الظرف .. كانت الردة وانتقص أمر الناس فاستشرى النفاق في المدينة ، و رفع المنافقون رؤوسهم التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذلها بالحق ، و جعلت الأخبار تصل إلى المدينة تباعاً بأن العرب ارتدوا قبيلة بعد قبيلة ، وانتشرت الردة انتشار النار في الهشيم ، حتى لم يبق في الجزيرة كلها إلا ثلاثة مساجد لم تصل إلى أهلها الردة و هي ؛ مكة والمدينة والبحرين . انظر كتابه : أبو بكر الصديق ( ص13 ) .

و يقول السيد حسن بريغش : (…و بلغت الردة حداً غطت فيه وجه الجزيرة العربية ما عدا مكة و المدينة ؛ و ارتدت أسد و غطفان و طيء و عليهم طليحة الأسدي ، و ارتدت الأعراب و القبائل حول المدينة من بني عبس و بني مرة و ذبيان و بني كنانة ، و يؤكد ما يقوله عندما يشير في مكان آخر إلى أن الجزيرة العربية قد ارتدت كلها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . انظر كتابه : ظاهرة الردة في المجتمع الإسلامي الأول (ص100-101 ، ص119) .

و يضيف محمد حسين هيكل أن العرب كلها قد ارتدت عن الإسلام ، و أن الأرض تضرمت ناراً في شبه الجزيرة العربية . انظر كتابه : الصديق أبو بكر (ص71 ) .

هذا ما قاله هؤلاء الأساتذة عن فتنة الردة ، فيما يتعلق بالجانب الذي يتناوله هذا المبحث .

أما فيمن ثبت من القبائل فقد كان لضرار بن الأزور - (ت13هـ) انظر ترجمته في الإصابة (3/481-483 ) و التاريخ الكبير(4/338-339 ) - ، الدور الفعال في ثبات قبيلته ؛ إذ كتب إلى أهل الصلاح من بني أسد يدعوهم إلى التمسك بالإسلام .

و ممن ثبت على الإسلام في هذه المنطقة من بني عامر بن ربيعة ، أبو حرب ربيعة بن خويلد العقيلي - انظر نسبه و خبره في : الإصابة (2/463) و أسد الغابة (2/210) - ، الذي وقف في وجه قومه و ذكّرهم بإعانتهم لعامر بن الطفيل في قتل المسلمين يوم بئر معونة - إشارة إلى مأساة بئر معونة التي قتل فيها مشركو نجد نحو سبعين من الصحابة عرفوا بالقرّاء ، انظر خبرهم في البخاري مع الفتح (7/437-438) -، لكنهم لم يستجيبوا له .

و ممن لم يرتد كذلك من بني عامر ، أسرة علقمة بن علاثة بن عوف الأحوص بن جعفر - كان من المؤلفة قلوبهم ، كما جاء في الاستيعاب (3/126) ، ثم أسلم و هاجر و بايع ، كما جاء في الطبقات(1/272 ، 311) - .

و من المرجح أن قرّة بن هبيرة أحد سادات بني عامر بن صعصعة ،لم يرتد عن الإسلام ؛ لأنه قام في قومه خطيباً محذراً لهم و مخوفاً من خالد بن الوليد رضي الله عنه ، و طلب منهم تقوى الله و الرجوع إلى دينه ، انظر : كتاب الفتوح لابن أعثم (1/16) و حروب الردة (ص83-88) . و في حواره مع الصدّيق رضي الله عنه عندما مثل أمامه ما يدل على عدم ردته ، و برر موقفه السلبي من المرتدين ، و عدم إعانته للمسلمين بأنه كان له مال و ولد ، فتخوّف من سلب ذلك منه إن هو عارض المرتدين ، و لهذا عفا عنه الصديق رضي الله عنه . انظر : الإصابة (5/438-439) .

و مما يدل على ثبوت بعض بني عامر و بعض هوازن على الإسلام ، ما جاء في خبر الفجاءة السلمي كما تقول رواية عند الطبري ، من أنه شنّ غارة على كل مسلم في سليم و عامر و هوازن ، فبلغ ذلك أبا بكر فأرسل إلى طريفة بن حاجز ، يأمره أن يجمع له و أن يسير إليه . تاريخ الطبري (3/264) و كذلك ، تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس ، للديار بكري (2/202) و الاستيعاب (2/776) و أسد الغابة (3/75) ، و الإصابة (3/518-519 ) .

و ثبتت جماعة من بني ذُبيان ، و كان ذلك سبباً في تعرضهم لفتك المرتدين ، ولذلك أقسم أبو بكر أن يقتل من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين و زيادة . انظر : البداية و النهاية (6/313) و الكامل (2/345) و الطبري (3/246) .

و ثبت كذلك جماعات من بني سليم ، و لذلك فإنه عندما ولي أبو بكر ، كتب إلى معن بن حاجز فاستعمله على هؤلاء الذين ثبتوا ، و قد قام فيهم قياماً حسناً و ذكرهم بسنة الموت لكل الناس و منهم الرسل و الأنبياء و قرأ عليهم آيات من القرآن في هذا الشأن ، فاجتمع إليه خلق كثير ، و عندما وجه أبو بكر خالد بن الوليد إلى الضاحية - هي المنطقة شرقي خيبر إلى تخوم الغربية لمنطقة اليمامة ، و فيها تفجرت فتنة طليحة الأسدي - ، كتب إلى معن بأن يلحق بخالد هو و من معه من المسلمين و طلب منه أن يستعمل على عمله طريفة بن حاجز ، و ممن ثبت على الإسلام جماعات من بني كلب ، على رأسهم امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي - كان من عمّال النبي صلى الله عليه وسلم أرسله عاملاً إلى كلب - ، و قد كتب إليه أبو بكر طالباً منه السير بمن معه إلى وديعة الكلبي الذي ارتد ، و ثبتت في هذه المنطقة جماعات من بني القين على رأسهم عمرو بن الحكم عامل النبي صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه الصديق أن يسير إلى زُميل و معاوية الوائلي زعيمي الردة في ناحيته لقمع ردتهما ، و ثبتت كذلك جماعة من قضاعة . انظر خبرهم جميعاً عند الطبري (3/243) .

و ثبت معاذ بن يزيد بن الصعق العامري من هوازن ، حيث كان له في قومه شأن كبير ؛ فلما عزم قومه على الردة جمعهم و خطب فيهم خطبة طويلة يحثهم فيها على الرجوع إلى الإسلام ، و يقبح لهم الردة و يحذرهم من غضب الله ، فلما لم يقبلوا منه ارتحل بأهله و بمن أطاعه من قومه . و قد أكد هذه الحقيقة غير واحد من المؤرخين ، منهم ابن حجر ، و ابن عبد البر . الإصابة (6/301-302) .

خبر ردة طيء …

أما طيء فإن خبر ردتها و إسلامها يحتاج إلى وقفة قصيرة ، فقد زعم بعض الكتاب أن طيء قد ارتدت و ساندت طليحة الأسدي ، فقد قال الشيخ محمد الخضري بك في كتابه : إتمام الوفاء في سير الخلفاء (ص22) : إن العرب ما لبثت بعد أن علمت بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتدت ، و لم يبق أحد متمسكاً بدينه منهم إلا قريش ، و ثقيفاً بالطائف و قليلاً من غيرهم ، و أن طيء و أسد و من تبعهم من غطفان قد ارتدوا و تابعوا طليحة الأسدي .

و ما ذكرت قبل قليل من أمثلة أخرى تؤيد هذا الرأي ، لكن الحقيقة هي أن عدي بن حاتم الطائي ، لم يتردد في ثباته على الإسلام الذي تمكن من نفسه ، فعندما بلغه خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم و كانت بحوزته إبل عظيمة اجتمعت له من صدقات قومه ، فراودوه في أن يردها إليهم متعللين بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم و بردّة بعض جيرانهم من أسد و غطفان ، لكنه وقف منهم موقفاً عظيماً حين أقسم ألاّ يفعل ما هموا به ماداموا قد دخلوا في الإسلام طائعين غير مكرهين ، و عدّ ما يريدونه لوناً من ألوان الغدر و الخيانة و غواية الشيطان و الجهل بالدين ، و استعمل معهم ما يستطيع من وسائل الترغيب و الترهيب و تبيان الحق ، و لما رأت طيء هذا الموقف الجاد و الحق الواضح و الإيمان الراسخ من عدي ، استجابت لدواعي الإيمان و لعنت الشيطان . حروب الردة للكلاعي (ص51 ، 69) .

و أصبحت طيء بفرعيها : الغوث وجديلة من أخلص أعوان خالد بن الوليد في قتال أهل الردة من أسد و غطفان و من تابع طليحة الأسدي ، و بذلك وصف بعض المؤرخون عدياً بأنه كان خير مولود في أرض طيء ، و كان من القادة المساعدين لابن الوليد . الطبري (3/253-255) و فتوح ابن اعثم (1/14) و الكامل (2/25) و تاريخ الخميس (2/202 ، 205) . و قد خلط المؤرخون المحدثون بين موقف طيء في بداية الردة وما استقرت عليه في آخر المطاف .

ممن ثبت في بلاد اليمن …

و قد ثبت فيها قوم كثير و قاوموا الأسود العنسي الذي ادعى النبوة ، و تمكنوا من قتله في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم و قاتلوا من حدثته نفسه بالفتنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، و قبل أن تصل إليهم جيوش الخلافة الإسلامية بقيادة المهاجر بن أبي أمية و عكرمة بن أبي جهل لمساعدتهم ، و بمساعدة الأبناء - هي طائفة باليمن من أصل فارسي ، قبلت الإسلام في أول أمره و ثبتت عليه ثباتاً عظيماً في فتنة العنسي و من جاء بعده . انظر : الطبقات لابن سعد (1/260) - ، الذين أبدوا ذكاءً و شجاعة عظيمة في هذا الميدان ، حيث قاتلوا بأنفسهم و استنهضوا القبائل و الأفراد ممن بقي على إسلامه ، و قضوا على الفتنة ، لاسيما فتنة عمرو بن معدي كرب ، وهو من فرسان العرب من قبيلة مذحج ، أسلم بالمدينة عندما قدمها مع وفد قومه زبيد، ارتد عن الإسلام ثم رجع إليه ، هاجر إلى العراق و أبلى بلاءً حسناً في القادسية . انظر : الطبقات (5/525-526) و سيرة ابن هشام (4/175-176) و الاستيعاب (3/1201-1205) .

و ذكر الكلاعي أن النخّع و جُعفى لم تتبعا العنسي عندما نزل بغمدان من بلاد اليمن ، مما دعاه إلى المغادرة و الاتجاه نحو صنعاء ، فأبى أهل نجران و صنعاء من الأبناء أن تتبعه ، مما اضطره إلى استذلالهم و قهرهم و الإساءة إليهم . و ثبتت كذلك قبيلة قيس حيث أن الأصفر العكي خرج و جماعة من قومه ممن ثبت على الإسلام حتى دخل نجران وهو يريد قتال بني الحارث بن كعب ، فلما دخل عليهم رجعوا إلى الإسلام من غير قتال ، ثم أمر الصديق رضي الله عنه المهاجر بن أبي أمية أن يستنفر من مّر به من مضر و يقويهم بمال أعطاه إياه أبو بكر . و قد اجتمع إلى خالد بن سعيد بن العاص من ثبت على الإسلام باليمن من مُرادَ و سائر مذحج - قبيلة العنسي - فلقي بهم المرتدين من زُبيد و هزمهم . حروب الردة ( ص 114 ، 216 ، 219 - 220 ) .

و جاءت روايات في تاريخ الطبري (3/229-230) بهذا الخصوص :-

الرواية الأولى : أن أول من اعترض على العنسي و حاربه عامر بن شهر الهمداني - انظر : الإصابة (3/583) و يقول عنه ابن حجر : كان أول من اعترض على العنسي لما ادعى النبوة ، و كان أحد عمال النبي صلى الله عليه وسلم على اليمن . - ، و فيروز - من الأبناء و كان ممن بعثه كسرى إلى اليمن مع سيف بن ذي يزن فطردوا الأحباش و غلبوا على اليمن ، و عندما بلغه خبر النبي صلى الله عليه وسلم جاء فأسلم و هو ممن شارك في قتل العنسي ، و عن ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في خبر صحيح ( قتله الرجل الصالح فيروز الديلمي ) ، انظر : المسند (1/263) مات في خلافة عثمان رضي الله عنه ، انظر : الطبقات (5/533-534) و الإصابة (5/379-381) و أسد الغابة (4/371) - ، و داذويه - من الأبناء و كان شيخاً كبيراً أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم و كان فيمن قتل العنسي ، قُتل غيلة في ردة قيس بن مكشوح ، انظر : الطبقات (5/534-535) و الإصابة (2/397-398) و الاستيعاب (2/461) - ، كلٌ في ناحيته .

الرواية الثانية : أن أتباع العنسي كانوا من عوام – جهال - قبيلة مذحج .

الرواية الثالثة : أن عمال النبي صلى الله عليه وسلم انسحبوا من مناطق فتنة العنسي و بعد مقتل باذان - كان عامل كسرى على اليمن ، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً إلي كسرى يدعوه إلى الإسلام فمزق الكتاب و أرسل إلى باذان يطلب منه قتل رسول الله فأرسل رجلين ، فأخبرهما النبي صلى الله عليه وسلم بهلاك كسرى على يد ابنه شيرويه ، فعادا إلى اليمن و قصّا ذلك على باذان فأسلم ، و هو من الأبناء ، عينه النبي صلى الله عليه وسلم على اليمن ، انظر : زاد المعاد (1/125) - ، فنزل معاذ ابن جبل رضي الله عنه في السكون ، و أبا موسى الأشعري نزل في السكاسك - و هما قبيلتين عربيتين في جنوبي الجزيرة العربية ، آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينهما . انظر : الطبقات (7/424) - و هذا مما يدل على ثبات هاتين القبيلتين على الإسلام - ، و أن الطاهر بن أبي هالة أقام وسط عك بتهامة ، إذ كانوا يقفون في وجه العنسي . و جاء في رواية أن أزاد - انظر خبرها و دورها في قتل العنسي في مصادر مثل : الطبري ( 3/232) و (3/239) - ، امرأة شهر بن باذان الذي قتله الأسود و تزوجها ، كانت ممن يخفي إسلامه، فتعاونت مع الأبناء و قيس بن عبد يغوث على قتل الأسود ، و كانت صاحبة دور هام في هلاكه ؛ و ذلك لصدق إسلامها و إسلام معظم أهل اليمن .

و ما ذكره ابن الأثير من روايات جاء فيها أن من الذين ثبتوا في اليمن على إسلامهم و نصروا الأبناء و هزموا معهم قيس بن عبد يغوث ، بنو عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، بقيادة معاوية العقيلي - انظر : الطبري (3/325) و الكامل (2/46) و الإصابة (6/302-303) و هو ممن أعان على استنقاذ أبناء فيروز الديلمي من قيس - ، و جماعة من عك و عليهم مسروق العكي - الطبري (3/328) و الإصابة (6/92-93) و لقد تمكن مع الطاهر بن أبي هالة من القضاء على فتنة بعض العكيين و الأشعريين بتهامة ، أنظر : الطبري (3/320) - . و أرسل أهل نجران و فداً إلى أبي بكر يجددون له العهد و يبايعونه بالخلافة . و أمّا بجيلة فقد رد أبوبكر الصديق جرير بن عبدالله البجلي و أمره أن يستنفر من قومه من ثبت على الإسلام و يقاتل بهم من ارتد و أن يأتي خثعم فيقاتل من ارتد منهم . الكامل (2/45) .

من ثبت في بني تميم ..

بني تميم لم ترتد كلها كما حاول أن يصور ذلك بعض المؤرخين المحدثين ؛ فقد قال د. عبد المنعم ماجد ، إنه كانت هناك امرأة ذات شخصية غير واضحة و اسمها سجاح …و قد أقبلت عند قومها من بني تميم ، الذين التفوا حولها… انظر كتابه : في كتابه : التاريخ السياسي للدولة العربية ( ص150) .

و يقول أ. شبير أحمد الباكستاني ، حين يتحدث عن سجاح : إن عامة بني تميم و جماعة من أمرائها قد استجابوا لها و لدعوتها . في كتابه : عصر الصديق رضي الله عنه (ص 158-159) .

و يقول بريغش : و ارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة ، و لم يبقى إلا المدينة و من والاها على الإسلام الصحيح … انظر كتابه : ظاهرة الردة ( ص101) .

و الحقيقة أنه لقوة إسلام و ثبات بعض بطون و أفراد و رؤساء بني تميم ، فقد استطاع مالك بن نويرة إقناع سجاح عندما أقبلت في جمعها لتغزوا المدينة ، بقتال الثابتين من قومها على إسلامهم قبل قتالها أبي بكر الصديق ، و عندما واجهت مسلمي تميم تلقت على أيديهم هزيمة نكراء مما جعلها تغير اتجاهها عن المدينة إلى اليمامة ، حيث تم الاتفاق مع مسيلمة الكذاب على حرب الإسلام ، و قد تقاربت الروايات التاريخية لتؤكد هذه الحقيقة . انظر : الطبري (3/269-272) و الكامل (2/31) و حروب الردة (ص94) .

و قد انحاز إلى مالك بن نويرة بنو حنظلة عشيرته الأقربون و أسندوا إليه أمرهم ، و ثبتت بعض قبائل تميم و التي كان عمال النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، أمثال : الزِّبرقان بن بدر على الرباب ، و عوف و الأبناء – تشير الرواية هنا إلى قبائل من بني تميم ، انظر : معجم القبائل القديمة و الحديثة لعمر كحالة (1/3-4) - . و قيس بن عاصم على مقاعس و البطون . و صفوان بن صفوان على بَهْدى . و سبرة بن عمرو على خضم . و وكيع بن مالك على بني حنظلة ، فعندما جاء خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ قدم صفوان بصدقات قومه بني عمرو و ما ولي منها ، و بما ولي سبرة و الزبرقان . انظر : الطبري (3/267-268) ، و انظر خبر وفد بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سيرة ابن هشام (4/157-163) .

و يدل مضمون هذه الرواية على أن من ثبت على الإسلام من بني تميم كان أكثر من المرتدين و المترددين ، فمانعوا الزكاة هم : بنو حنظلة و مقاعس و البطون و هي ثلاثة بطون .

و تؤكد رواية عند ابن الأثير ، ثبات جماعات من بني تميم على الإسلام و وقوفهم في وجه المرتدين و في وجه سجاح بالذات ، فإنها لم تتمكن من اجتياز أرضهم إلى المدينة ، و لذلك سارت إلى اليمامة . ( الكامل (2/31) .

أما عن وكيع و سماعة أحسّا بقبح ما أتيا فرجعا رجوعاً حسناً و لم يتجبرا و أخرجا الصدقات و استقبلا بها خالداً . الطبري (3/271) .

ممن ثبت في اليمامة ..

أنظر حول ردة بني حنيفة مقال بعنوان : الثابتون على الإسلام في مواطن بني حنيفة أثناء ردة مسيلمة ، للأستاذ عبد الله بن محمد ناصر سيف في مجلة جامعة الملك سعود ، الآداب(1) المجلد (10) .و حركة مسيلمة الحنفي لإحسان صدقي العمد ، حوليات كلية الآداب (10) ، جامعة الكويت . و الثابتون على الإسلام أيام فتنة الردة للدكتور مهدي رزق الله أحمد (ص 50-58) .

لقد طغت ردة مسيلمة الكذاب باليمامة على أخبار من ثبت فيها بصفة عامة و في بني حنيفة قوم مسيلمة بصفة خاصة ، بل إن كثير من الكتاب المحدثين قد أغفلوا ذكر المسلمين الذين تمسكوا بإسلامهم في فتنة مسيلمة ، و واجهوا و ساندوا الجيوش الإسلامية .

ذكر علي إبراهيم حسن : أن مسيلمة الكذاب استطاع أن يضم قبيلته إلى جانبه و كذلك ضم قبيلة تميم إلى جانبه عندما تزوج بسجاح التميمية . انظر كتابه : التاريخ الإسلامي العام ( ص 220) .

و قال د. محمد أسد طلس : أن بنو حنيفة ارتدت و تابعت مسيلمة الكذاب . انظر كتابه الخلفاء الراشدون ( ص 20) .

و يضيف الشيخ الخضري بك : أن بنو حنيفة ارتدوا عن الإسلام و تابعوا مسيلمة الكذاب . انظر كتابه : إتمام الوفاء في سير الخلفاء ( ص 22 ، 31 ) .

و كذلك قال د. توفيق محمد برو عند تناوله خبر المتنبئين : و منهم مسيلمة الكذاب من بني حنيفة ، الذي انضمت إليه قبيلته و قبيلة تميم بعد أن تزوج الكاهنة سجاح . انظر كتابه : التاريخ السياسي و الحضاري لصدر الإسلام و الخلافة الأموية ( ص98-99 ) .

و كذلك د. جمال الدين سرور ، الذي يقرر أن القبائل العربية قد انتفضت قبيل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم و زاد خطبها على إثر وفاته . انظر كتابه : الحياة السياسية في الدولة العربية الإسلامية خلال القرنين الأول و الثاني بعد الهجرة ( ص 19-20) .

و قد أنصف ابن أعثم حين ذكر خبر الثابتين فقال : و كان ممن ثبت ثمامة بن أثال و كان من مشاهير بني حنيفة ، وقف في وجه مسيلمة مع من ثبت من أهل اليمامة ، لذا اجتمعت إليه عندما علموا بمسير خالد إليهم . فتوح ابن أعثم (1/24-25 ، 40-41 ) و خبر ثمامة في الطبقات (5/550) و الإصابة (1/410-412) .

و تؤكد رواية في البداية و النهاية لابن كثير (6/320 ) دور ثمامة في حرب مسيلمة ، و مساعدة عكرمة بن أبي جهل له في هذه المهمة ، حيث أن عكرمة جاء إلى اليمامة قبل خالد بن الوليد .

و تؤكد رواية عند الطبري (3/272) و ابن الأثير (2/35 ) أن من أسباب مداهنة مسيلمة لسجاح و طليحة هو خوفه من أن يغلبه ثمامة على حجر أو شرحبيل بن حَسَنة أحد قادة ألوية جهاد المرتدين ، أو القبائل التي حولهم .

و تقول رواية متفق عليها عند الطبري و الكلاعي و ابن الأثير و ابن كثير و ابن أعثم الكوفي و ابن عبد البر من أن ثمامة قد لحق بالعلاء بن الحضرمي الذي عقد له أبوبكر الصديق لواء قتال أهل الردة في البحرين و معه مسلمو بني حنيفة من بني سُحيم ، لذا أكرمه العلاء و نفله ثياباً فيها خميصة ذات أعلام كانت للحطم بن ضبيعة أحد قادة المرتدين في البحرين ، و كانت سبب في مقتل ثمامة عندما رآها بنو قيس معه . الطبري (3/312) و حروب الردة (ص197-198) و الكامل (2/41) و البداية و النهاية (6/328) و الفتوح (1/40-41 ) والاستيعاب (1/213-216) .

و ممن ثبت في اليمامة كذلك مجاعة بن مرارة و سارية بن عامر و معمر بن كلاب الرُّماني . و من سادات اليمامة الذين يكتمون إسلامهم ، ابن عمرو اليشكري الذي كان من أصدقاء الرجال بن عنفوة - كان في وفد بني حنيفة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، أرسله الرسول فقيهاً إلى بني حنيفة ففتن الناس ، و كان ممن شهد لمسيلمة حين ادعى النبوة ، و كان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة ، و قد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بفتنته ، انظر : الطبري (3/287) و الكامل (2/35) و فتوح ابن أعثم (1/21)- ، فأرسله خالد بن الوليد إلى اليمامة ليخذلهم عن مسيلمة ، إذ لم يكونوا قد علموا بإسلامه ، و كانوا قد اغتروا بمسيلمة ، فكذبوا عمرو واتهموه فرجع عنهم ، و ممن ثبت أيضاً عامر بن مسلمة و رهطه . انظر : حروب الردة للكلاعي (ص115-116 ، 175) .

ممن ثبت في عمان ..

وقفت الجماعة المسلمة في عمان مع أميرها جيفر و أخيه عبّاد - هما أبناء الجلندى الأزدي ملك عمان ، بعث إليهما الرسول صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص فأسلما ، انظر خبرهما في : الإصابة (1/542) و الاستيعاب (1/275) و الطبقات (1/262) و (7/493) و أسد الغابة (1/371) ، و يسمي ابن حجر عباد باسم عبيد - ، ضد ذي التاج لقيط بن مالك الأزدي متنبئ عمان ، حتى جاء المدد مع حذيفة بن محصن الغلفاني ، و عرفجة بن هرثمة البارقي و عكرمة بن أبي جهل ، مع قواد الألوية التي عقدها الصديق رضي الله عنه لقتال المرتدين . و ثبت على الإسلام كل من بني جُديد و بني ناجية و بني عبد القيس كما تقرره روايات كل من الطبري و ابن الأثير و ابن كثير . الطبري (3/314-316) و الكامل (2/43) و البداية و النهاية (6/330) ؛ و عن ثبات بني عبد القيس انظر كذلك تاريخ الخميس (2/201) . حيث قام سيحان بن صوحان بقيادتهم ليقفوا مع المسلمين في توهين أهل الردة و قتلهم ، و سيحان هذا كان أحد أمراء المسلمين في قتال المرتدين ، قتل يوم الجمل مع علي رضي الله عنه ، انظر : الإصابة (3/235-236) و الطبقات (6/221) .

و ثبت كذلك أهل تَبالة من أرض كعب بن ربيعة ، الذي انحاز إليهم عكرمة عندما توفي صلى الله عليه وسلم و قامت فتنة لقيط . انظر : حروب الردة للكلاعي (ص208-210) .

ممن ثبت في البحرين ..

فقد ثبت الجارود بن عمرو بن حنش بن المعلى العبدي الذي قام في قومه و ذكّرهم بحقيقة الموت و قرأ عليهم{و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ..} آل عمران/144

فثبتوا و لم يبدلوا كما بدل قوم من ربيعة البحرين . انظر : حروب الردة (ص194) و الطبري (3/303) و البداية و النهاية (6/327-328) و انظر ترجمة الجارود في : الإصابة (1/441-443) و أسد الغابة (1/311) .

و لما بعث الصديق رضي الله عنه العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في سنة عشر راكباً ، قال له أمعن فإن أمامك عبد القيس ، فسار حتى لقيهم و مر بثمامة فآزره و استنهض المسلمين في تلك الأنحاء ، و كان الجارود يبعث بالرجال المقاتلة إلى العلاء فاجتمع إليه بذلك جيش كبير قاتل فيه المرتدين ، و نصر الله به المؤمنين . و عن موقف بني عبد القيس من الردة انظر : تاريخ الخميس (2/201) ، و انظر هذا الخبر في : الطبري (3/305-306) و حروب الردة (ص197) و ما بعدها ، و الكامل (2/40-41) .

و كان ممن آزر العلاء لقمع الفتنة ، قيس بن عاصم و عفيف بن المنذر ، و من بني بكر بن وائل : عتيبة بن النهاس و عامر بن عبد الأسود و مسمع و خفصة التميمي ، و المثنى بن حارثة الشيباني و غيرهم . انظر : الطبري (3/305) و (3/310) و فتوح ابن أعثم (1/38-45) .


و قد آزر العلاء كذلك ممن ثبت في أرض تميم ، و لولا تدخل بعض العناصر الأجنبية لصالح المرتدين لما تجرءوا على الوقوف في وجه المسلمين مدة طويلة ، حيث أن فارس قد أمدت المرتدين بتسعة آلاف من المقاتلين ، و كان عدد المرتدين ثلاثة آلاف و عدد المسلمين أربعة آلاف . الكامل (2/41) و فتوح ابن أعثم (1/38) .

ممن ثبت في حضرموت ..

لما قدم وفد كندة مسلماً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عليهم زياد بن لبيد الأنصاري البياضي من أصحاب بيعة العقبة ، و كان رجلاً حازماً أقره الصديق على كندة بحضرموت ، و كان على رأس من ثبت على الإسلام في هذه المنطقة حتى أنقذهم الله بالمهاجر بن أبي أمية . انظر : الإصابة (2/586-587) ، (6/228-229) و الاستيعاب (2/533) و حروب الردة (ص222-223) .

ممن ثبت في مهرة ..

ثبت في هذه البلاد بعض بني محارب و ساعدوا عكرمة في حربه ضد مرتدي قومهم ، حيث أنه عندما فرغ
عكرمة و عرفجة و حذيفة بن محصن من ردة عمان ، خرج عكرمة في جنده نحو مهرة ، و استعان عكرمة في القضاء على بقايا فتنة اليمن بمن ثبت على الإسلام من مهرة و من حولها أمثال ، أهل النّجد و أهل رياض الروضة و أهل الساحل و غيرهم . الطبري (3/316-317) و (3/327) و الكامل (2/43-44) و البداية و النهاية (6/330-331) .

ممن ثبت في شمالي الجزيرة العربية ..

أذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر موقف بني شيبان و سيدهم المثنى بن حارثة في إخماد فتنة الردة في
البحرين و متابعتهم السير على شواطئ الخليج العربي ، و إبطال دسائس الفرس ، و المثنى هو الذي قدم على أبو بكر الصديق و طلب منه أن يبعثه على قومه لأن فيهم إسلاماً ليقاتل بهم أهل فارس ، و كان لدوره الفعال الأثر الكبير في فتح العراق فيما بعد ، و ثبت بني عذرة ، حيث كتب الصديق إلى قائدهم معاوية العذري يأمره بالجد في قتال أهل الردة في بلاده . انظر : الإصابة ( 6/162 ) .

و لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع راجع كتاب : الثابتون على الإسلام أيام فتنة الردة ، د. مهدي رزق الله أحمد ، حيث أن المؤلف جمع الروايات الصحيحة في هذا الموضوع وناقشها وفق المنهج العلمي . و كتاب : ترتيب و تهذيب كتاب البداية والنهاية خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، د . محمد بن صامل السلمي ( ص 78- 124 ) حيث درس المؤلف موضوع الدرة دراسة جيدة ، و خرج أحاديثه وآثاره . و كتاب : عصر الخلافة الراشدة د . أكرم ضياء العمر ( ص 387- 412 ) .

و بعد هذا الذي ذكرت نخرج بنتيجة واحدة وهي : أن كلام المستشرقين في دعواهم : أن العرب قد ارتدوا جميعاً لم يثبت ؛ وبما أن هذه الردة الجماعية التي زعموها قد بطلت ، بقي أن نقول : أن حجتهم الأخرى و هي : ( إما إن إسلامهم سطحي لأنهم جديدون به ، بل مكرهون عليه ) أو ( أنهم لم ينضموا للإسلام بالأصل فالحرب كانت لإجبارهم على الزكاة و بالتالي فلا دليل على أنهم قد دخلوا للإسلام ) !

الجواب : أولاً : لا دليل على ما تقولون ، و بما أنكم لا تملكون أي دليل على ادعائكم هذا ، فقد ثبت أن الذين شاركوا في الفتوحات الإسلامية لم يكن للمرتدين أي دور فيها ، بل ثبت أن الصديق قام بالآتي تجاه المرتدين ، بعد أن رجعوا إلى الإسلام :-

1 - لم يشرك الصديق رضي الله عنه أحداً من المرتدين في الفتوح ، بل جردهم من السلاح ، لأنه لم يأمنهم لحداثة عهدهم بالردة ، وعقوبة لهم بإظهار الاستغناء عنهم .

2 - و لأن الصديق رضي الله عنه لم يشأ للمرتدين أن يكونوا طلائع الفتح الإسلامي ، فلا يعطون سكان المناطق المفتوحة المثل الصالح للجندي المسلم .

3 - و لأن الفاتحين لم تستقر أقدامهم في المناطق التي فتحوها ، بل كان السكان وخاصة نصارى العرب يثورون عليهم بين الفينة والأخرى ، فقد أعيد فتح الحيرة ثلاث مرات ، وهذا يفسر لنا أسباب تغيير شروط الصلح مرات عديدة في مناطق السواد .

4 - و لأن سائر المعارك دارت في العراق العربي ، بخلاف العراق الفارسي ؛ فقد كان لقبيلة شيبان بقيادة قائدها المثنى بن حارثة الشيباني ، و قبيلة سدوس بقيادة قائدها قطبة بن قتادة السدوسي ، والتي تسكنان القسم الجنوبي من العراق ، للدور الكبير في الفتوحات في تلك المناطق ، فلم يحتج إلى الاستعانة بالمرتدين للمشاركة في فتح تلك المناطق ، ولأن تلك المناطق لم تكن مرتبطة بالمدينة لذا فق أرسل الصديق رضي الله عنه خالد بن الوليد و عياض بن غنم إلى العراق العربي ليتوليا قيادة الجيوش فيه .

و بهذا تسقط مزاعم هؤلاء المستشرقين بخصوص هذا الموضوع ، أما قولهم : إنهم كانوا يقاتلون مكرهين من أجل إجبارهم على دفع الزكاة ، فهذه شبهة أخرى باطلة لا دليل عليها ، بل ثبت أن من قادة المرتدين و هو طليحة بن خويلد ، بعد أن عاد إلى الإسلام و حسن إسلامه شارك بنفسه في فتوحات العراق في خلافة الفاروق ، و أبلا بلاءً حسناً في الحرب مع الروم ، كما كان لغيره من الذي ارتدوا ثم عادوا ، فلم يثبت أن أحداً من المرتدين شارك مع المسلمين في قتال ضد الروم أو الفرس ، رغماً عنه أو حتى قاتل مجبراً . ومن يقول بغير هذا فعليه بالدليل ، والمثبت مقدم على النافي كما هو معلوم .